الشيخ الطبرسي

243

تفسير مجمع البيان

والتوفيقات ، ويجري مجرى قولهم : اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا . والمعنى لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا ، فيسلط علينا ، فكأنهم قالوا : لا تخل بيننا وبين نفوسنا بمنعك التوفيق والالطاف عنا ، فنزيغ ونضل . وإنما يمنع ذلك بسبب ما يكتسبه العبد من المعصية ، ويفرط فيه من التوبة ، كما قال ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) . وثانيها : إن معناه لا تكلفنا من الشدائد ما يصعب علينا فعله وتركه ، فتزيغ قلوبنا بعد الهداية ، ونظيره : ( فلما كتب عليهم القتال تولوا ) فأضافوا ما يقع من زيغ القلوب إليه سبحانه ، لأن ذلك يكون عند تشديده تعالى المحنة عليهم ، كما قال سبحانه : ( فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) ، و ( لم يزدهم دعائي إلا فرارا ) . وثالثها : ما قاله أبو علي الجبائي : إن المراد : لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك ، وهو ما ذكره الله من الشرح والسعة بقوله : ( يشرح صدره للإسلام ) وذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق والحرج اللذان يفعلان بالكفار عقوبة ، ومن ذلك التطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين ، ويمنعه الكافرين ، كما قال تعالى : ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) ومن ذلك : كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين ، كما قال : ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) . وضد هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين ، فكأنهم سألوا الله أن لا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب . ورابعها : إن الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان ، ولا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل عما لولا المسألة لجاز أن يفعله ، لأنه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه ، والافتقار إلى ما عنده ، بأن يفعل ما نعلم أن يفعله ، وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله ، إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة ، كما قال سبحانه : ( قل رب إحكم بالحق ) ، وقال ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) وقال حاكيا عن إبراهيم : ( ولا تخزني يوم يبعثون ) . فإن قيل : هلا جاز على هذا أن يقول : ربنا لا تظلمنا ولا تجر علينا ؟ فالجواب : إنما لم يجز ذلك ، لأن فيه تسخطا من السائل ، وإنما يستعمل ذلك فيمن جرت عادته بالجور والظلم ، وليس كذلك ما نحن فيه . ( وهب لنا من لدنك رحمة ) أي : من عندك لطفا نتوصل به إلى الثبات على الإيمان ، إذ لا نتوصل إلى الثبات على الإيمان ، إلا بلطفك ، كما لا يتوصل إلى ابتدائه إلا بذلك . وقيل : نعمة .